القرطبي

205

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لأحد من بعده ، ليكون محله وكرامته من الله ظاهرا في خلق السماوات والأرض ، فإن الأنبياء عليهم السلام لهم تنافس في المحل عنده ، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده ، ولهذا لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه ، أراد ربطه ثم تذكر قوله أخيه سليمان : " رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرده خاسئا . فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية ، فكأنه كره صلى الله عليه وسلم أن يزاحمه في تلك الخصوصية ، بعد أن علم أنه شئ هو الذي خص به من سخرة الشياطين ، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده . والله أعلم . قوله تعالى : " فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء " أي لينة مع قوتها وشدتها حتى لا تضر بأحد ، وتحمله بعسكره وجنوده وموكبه . وكان موكبه فيما روي فرسخا في فرسخ ، مائة درجة بعضها فوق بعض ، كل درجة صنف من الناس ، وهو في أعلى درجة مع جواريه وحشمه وخدمه ، صلوات الله وسلامه عليه . وذكر أبو نعيم الحافظ قال : حدثنا أحمد بن جعفر ، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب ، قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن وهب بن منبه ، قال حدثني أبي قال : كان لسليمان ابن داود عليه السلام ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد ، فركب الريح يوما فمر بحراث فنظر إليه الحراث فقال : لقد أوتي آل داود ملكا عظيما ! فحملت الريح كلامه فألقته في أذن سليمان ، قال فنزل حتى أتى الحراث فقال : إني سمعت قولك ، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا تقدر عليه ، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك لخير مما أوتي آل داود . فقال الحراث : أذهب الله همك كما أذهبت همي . قوله تعالى : " حيث أصاب " أي أراد ، قاله مجاهد . والعرب تقول : أصاب الصواب وأخطأ الجواب . أي أراد الصواب وأخطأ الجواب ، قال ابن الأعرابي . وقال الشاعر : أصاب الكلام فلم يستطع * فأخطأ الجواب لدى المفصل