القرطبي

13

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إلا طنت بألوان طنينها ، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر ، ولم تبق جارية من جوار الحور العين إلا غنت بأغانيها ، والطير بألحانها ، ويوحى الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة ، ثم يقول الله جل ذكره : يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني ، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها ( 1 ) وتتضاعف اللذة ، فذلك قوله تعالى : " فهم في روضة يحبرون " . ذكره الترمذي الحكيم رحمه الله . وذكر الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الناس ، فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم ، وفي أخريات القوم أعرابي فقال : يا رسول الله ، هل في الجنة من سماع ؟ فقال : ( نعم يا أعرابي ! إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة ) فسأل رجل أبا الدرداء : بماذا يتغنين ؟ فقال : بالتسبيح . والخمصانية : المرهفة الاعلى ، الخمصانة البطن ، الضخمة الأسفل . قلت : وهذا كله من النعيم والسرور والاكرام ، فلا تعارض بين تلك الأقوال . وأين هذا من قوله الحق : " فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين " [ السجدة : 17 ] على ما يأتي ( 2 ) . وقوله عليه السلام : ( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . وقد روي : ( إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة ، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار ( 3 ) فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا ) . ذكره الزمخشري .

--> ( 1 ) في ك : ( ويحليها ) بالحاء المهملة . وفي كتاب التذكرة : ( ويخليها ) بالخاء المعجمة . ( 2 ) راجع ص 103 من هذا الجزء . ( 3 ) في الأصول : ( الأجراس ) .