القرطبي

15

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عند ضيق الحال ، فكان عليه السلام إذا أتته صدقة خصهم بها ، وإذا أتته هدية أكلها معهم ، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم . كذا وصفهم البخاري وغيره . ثم لما افتتح الله عليهم البلاد ومهد لهم المهاد تأمروا ، وبالأسباب أمروا . ثم إن هذا القول يدل على ضعف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، لأنهم أيدوا بالملائكة وثبتوا بهم ، فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر ، نعوذ بالله من قول وإطلاق يؤول إلى هذا ، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله ، وهو الحق المبين ، والطريق المستقيم الذي انعقد عليه إجماع المسلمين ، وإلا كان يكون قوله الحق " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل " - الآية - مقصورا على الضعفاء ، وجميع الخطابات كذلك . وفى التنزيل حيث خاطب موسى الكليم " اضرب بعصاك البحر " وقد كان قادرا على فلق البحر دون ضرب عصا . وكذلك مريم عليها السلام " وهزي بجذع النخلة " وقد كان قادرا على سقوط الرطب دون هز ولا تعب ، ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يلطف به ويعان ، أو تجاب دعوته ، أو يكرم بكرامة في خاصة نفسه أو لأجل غيره ، ولا تهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجميلة . هيهات هيهات ! لا يقال فقد قال الله تعالى : " وفى السماء رزقكم وما توعدون " فإنا نقول : صدق الله العظيم ، وصدق رسوله الكريم ، وأن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل ، بدليل قوله : " وينزل لكم من السماء رزقا " وقال : " وأنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد " ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباق الخبز ولا جفان اللحم ، بل الأسباب أصل في وجود ذلك ، وهو معنى قوله عليه السلام : " اطلبوا الرزق في خبايا الأرض " أي بالحرث والحفر والغرس . وقد يسمى الشئ بما يؤول إليه ، وسمى المطر رزقا لأنه عنه يكون الرزق ، وذلك مشهور في كلام العرب . وقال عليه السلام : " لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من يسأل أحد أعطاه أو منعه " وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب . ولو قدر رجل بالجبال منقطعا عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام وظهور الاعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش