القرطبي

16

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

به ، وهو معنى قوله عليه السلام : " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " فغدوها ورواحها سبب ، فالعجب العجب ممن يدعى التجريد والتوكل على التحقيق ، ويقعد على ثنيات الطريق ، ويدع الطريق المستقيم ، والمنهج الواضح القويم . ثبت في البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى " وتزودوا " . ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد ، وكانوا المتوكلين حقا . والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه ويجمع عليه أربه ، ثم يتناول الأسباب بمجرد الامر . وهذا هو الحق . سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال : إني أريد الحج على قدم التوكل . فقال : اخرج وحدك ، فقال : لا ، إلا مع الناس . فقال له : أنت إذن متكل على أجربتهم . وقد أتينا على هذا في كتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتب والشفاعة " . الرابعة - خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها " . وخرج البزاز عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق . ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته " . أخرجه أبو بكر البرقاني مسندا عن أبي محمد عبد الغنى - من رواية عاصم - عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ " . ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق ، لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان . وهكذا قال علماؤنا لما كثر الباطل في الأسواق وظهرت فيها المناكر : كره دخولها لأرباب الفضل والمقتدى بهم في الدين تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها . فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده ، وأنه إن أقام هناك هلك ، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته ، وتحرز من سوء عاقبته وبليته .