القرطبي

40

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب . وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقة على النفس ، ولحديث أبي سعيد قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة ، وقال : ( اربطوا أوساطكم بأزركم ) ومشى خلط ( 1 ) الهرولة ، خرجه ابن ماجة في سننه . ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل ، للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم . السادسة - استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط . قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكرا ، وهذا تأنس ، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه ، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن ، ولابد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر ، فإنما ذكرت حالتا الوصول ، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوى . فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا ، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الاعذار ، وأنه ليس بسبيل يستطاع . قال ابن عطية : وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما ، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشئ من هذه الاعذار ، وهذا ضعيف . قلت : وأضعف من ضعيف ، وقد مضى في " البقرة " ( 2 ) بيانه . والفج : الطريق الواسعة ، والجمع فجاج . وقد مضى في " الأنبياء " ( 3 ) . والعميق معناه البعيد . وقراءة الجماعة " يأتين " . وقرأ أصحاب عبد الله " يأتون " وهذا للركبان و " يأتين " للجمال ، كأنه . قال : وعلى إبل ضامرة يأتين ( من كل فج عميق ) أي بعيد ، ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر ، ومنه : * وقاتم الأعماق خاوي المخترق ( 4 )

--> ( 1 ) خلط الهرولة ( بالكسر ) أي شيئا مخلوطا بالهرولة ، بأن يمشى حينا ويهرول حينا أو معتدلا . ( 2 ) راجع ج 2 ص 195 . ( 3 * راجع ج 11 ص 285 . ( 4 ) هذا أول أرجوزة من أراجيز رؤية بن العجاج ، وبعده : * مشتبه الاعلام لماع الخفق *