القرطبي

32

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فإنه جواب الشرط ، ولو كان خبر " إن " لبقي الشرط ، بلا جواب ، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب . الثانية - قوله تعالى : ( والمسجد الحرام ) قيل : إنه المسجد نفسه ، وهو ظاهر القرآن ، لأنه لم يذكر غيره . وقيل : الحرم كله ، لان المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ، قال الله تعالى : " وصدوكم عن المسجد الحرام ( 1 ) " [ الفتح : 25 ] وقال : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الاسراء : 1 ] . وهذا صحيح ، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك . الثالثة - قوله تعالى : ( الذي جعلناه للناس ) أي للصلاة والطواف والعبادة ، وهو كقوله تعالى : " إن أول بيت وضع للناس " ( 2 ) [ آل عمران : 96 ] . سواء العاكف فيه والباد ) العاكف : المقيم الملازم . والبادي : أهل البادية ومن يقدم عليهم . يقول : سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد ، فليس أهل مكة أحق من النازح إليه . وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها . وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله ، وهذا قول مجاهد ومالك ، رواه عنه ابن القاسم . وروي عن عمر وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وجد ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى . وقال ذلك سفيان الثوري وغيره . وكذلك كان الامر في الصدر الأول ، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ، فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله تعالى : ؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ، فتركه فاتخذ الناس الأبواب . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب في الدور . وروى عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ، وهذا هو العمل اليوم . وقال بهذا جمهور من الأمة ( 3 ) .

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 283 . ( 2 ) راجع ج 4 ص 237 . ( 3 ) في ك : الأئمة .