القرطبي
33
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس . وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لاتباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي . أو كان فتحها صلحا - وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم ، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا . وروى عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، وهو أول من حبس في السجن في الاسلام ، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة " المائدة " ( 1 ) . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة . وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة . قلت : الصحيح ما قاله مالك ، وعليه تدل ظواهر الاخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة . قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شئ من البلاد . وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وزاد في رواية ، وعثمان . وروى أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب ، لا تباع من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال - من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا ) . قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه ، ووهم أيضا في قوله : عبيد الله ( 2 ) بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح ، والصحيح أنه موقوف ، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 153 . ( 2 ) أحد رجال سند الحديث .