القرطبي

317

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثامنة - قوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) قيل : إنها نزلت في بنى ليث بن بكر ، وهم حي من بنى كنانة ، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله . ومنه قول بعض الشعراء : إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي قال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان لا يأكل وحده . وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه ، فنزلت الآية مبينة سنة الاكل ، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب ، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما ، نحت به نحو كرم الخلق ، فأفرطت في إلزامه ، وإن إحضار الأكيل لحسن ، ولكن بألا يحرم الانفراد . التاسعة - قوله تعالى : ( جميعا أو أشتاتا ) " جميعا " نصب على الحال . و " أشتاتا " جمع شت ، والشت المصدر بمعنى التفرق ، يقال : شت القوم أي تفرقوا . وقد ترجم البخاري في صحيحه ( باب - ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) الآية . و ( والنهد والاجتماع ) . ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب : إباحة الاكل جميعا وإن اختلفت أحوالهم في الاكل . وقد سوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فصارت تلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد والولائم وفي الاملاق في السفر . وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك . والنهد : ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه بينهم ، وقد تناهدوا ، عن صاحب العين . وقال ابن دريد : يقال من ذلك : تناهد القوم الشئ بينهم . الهروي : وفي حديث الحسن ( أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم ) . النهد : ما تخرجه الرفقة عند المناهدة ، وهو استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره . والعرب تقول : هات نهدك ، بكسر النون . قال المهلب : وطعام النهد لم يوضع للاكلين على أنهم يأكلون بالسواء ، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته ، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره . وقد قيل : إن