القرطبي
318
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تركها أشبه بالورع . وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله ، ثم لا يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله ، وإذا كانوا يوما عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا والضيف يأكل بطيب نفس مما يقدم إليه . وقال أيوب السختياني : إنما كان النهد أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل فيذبح ويهيئ الطعام ثم يأتيهم ، ثم يسبق أيضا إلى المنزل فيفعل مثل ذلك ، فقالوا : إن هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا شيئا لا يتفضل بعضنا على بعض ، فوضعوا النهد بينهم . وكان الصلحاء إذا تناهدوا تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه ، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سرا دونهم . العاشرة - قوله تعالى : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ) اختلف المتأولون في أي البيوت أراد ، فقال إبراهيم النخعي والحسن : أراد المساجد ، والمعنى : سلموا على من فيها من ضيفكم ( 1 ) . فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء : السلام على رسول الله . وقيل : يقول السلام عليكم ، يريد الملائكة ، ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم " الآية ، قال : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وقيل : المراد بالبيوت البيوت المسكونة ، أي فسلموا على أنفسكم . قاله جابر بن عبد الله وابن عباس أيضا وعطاء بن أبي رباح . وقالوا : يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة ، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . قال ابن العربي : القول بالعموم في البيوت هو الصحيح ، ولا دليل على التخصيص ، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه ، فإذا دخل بيتا لغيره استأذن كما تقدم ، فإذا دخل بيتا لنفسه سلم كما ورد في الخبر ، يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، قاله ابن عمر . وهذا إذا كان فارغا ، فإن كان فيه أهله وخدمه
--> ( 1 ) كذا في ك : وهو الأشبه . وفى أوب وج وى : ضيفكم .