القرطبي
312
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية . أقربها - هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة ، فهذه ثلاثة أقوال : الأول - أنها منسوخة من قوله تعالى : " ولا على أنفسكم " إلى آخر الآية ، قاله عبد الرحمن ابن زيد ، قال : هذا شئ انقطع ، كانوا في أول الاسلام ليس على أبوابهم أغلاق ، وكانت الستور مرخاة ، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد ، فسوغ الله عز وجل أن يأكل منه ، ثم صارت الاغلاق على البيوت فلا يحل لاحد أن يفتحها ، فذهب هذا وانقطع . قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه . . ) الحديث . خرجه الأئمة . الثاني - أنها ناسخة ، قاله جماعة . روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لما أنزل الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " ( 1 ) قال المسلمون : إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، وأن الطعام من أفضل الأموال ، فلا يحل لاحد منا أن يأكل عند أحد ، فكف الناس عن ذلك ، فأنزل الله عز وجل : " ليس على الأعمى حرج - إلى - أو ما ملكتم مفاتحه " . قال : هو الرجل يوكل الرجل بضيعته . قلت : علي بن أبي طلحة هذا هو مولى بني هاشم سكن الشام ، يكنى أبا الحسن ويقال أبا محمد ، اسم أبيه أبى طلحة سالم ، تكلم في تفسيره ، فقيل : إنه لم ير ابن عباس ، والله أعلم . الثالث - أنها محكمة ، قاله جماعة من أهل العلم ممن يقتدي بقولهم ، منهم سعيد ابن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود . وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان المسلمون يوعبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم ويقولون : إذا احتجتم فكلوا ، فكانوا يقولون إنما أحلوه لنا عن غير طيب نفس ، فأنزل الله عز وجل : " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم " إلى آخر الآية . قال النحاس : " يوعبون " أي يخرجون بأجمعهم في المغازي ،
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 337 .