القرطبي

313

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يقال : أوعب بنو فلان لبني فلان إذا جاءوهم بأجمعهم . وقال ابن السكيت : يقال أوعب بنو فلان جلاء ، فلم يبق ببلدهم منهم أحد . وجاء الفرس بركض وعيب ، أي بأقصى ما عنده . وفي الحديث : ( في الانف إذا استوعب جدعه الدية ) إذا لم يترك منه شئ . واستيعاب الشئ استئصاله . ويقال : بيت وعيب إذا كان واسعا يستوعب كل ما جعل فيه . والضمني هم الزمنى ، واحدهم ضمن زمن . قال النحاس : وهذا القول من أجل ما روي في الآية ، لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شئ بعينه . قال ابن العربي : وهذا كلام منتظم لأجل تخلفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم ، لكن قوله " أو ما ملكتم مفاتحه " قد اقتضاه ، فكان هذا القول بعيدا جدا . لكن المختار أن يقال : إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي ، وما يتعذر من الافعال مع وجود العرج ، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه ، كالصوم وشروط الصلاة وأركانها ، والجهاد ونحو ذلك . ثم قال بعد ذلك مبينا : وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم . فهذا معنى صحيح ، وتفسير بين مفيد ، ويعضده الشرع والعقل ، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل . قلت : وإلى هذا أشار ابن عطية فقال : فظاهر الآية وأمر الشريعة يدل على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر ، وتقتضي نيتهم فيه الاتيان بالأكمل ، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص ، فالحرج مرفوع عنهم في هذا . فأما ما قال الناس في هذا الحرج هنا وهي : الثانية - فقال ابن زيد : وهو الحرج في الغزو ، أي لا حرج عليهم في تأخرهم . وقوله تعالى : " ولا على أنفسكم " الآية ، معنى مقطوع من الأول . وقالت فرقة : الآية كلها في معنى المطاعم . قالت : وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الاكل مع أهل الاعذار ، فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى ، ولانبساط الجلسة من الأعرج ، ولرائحة المريض وعلاته ، وهي أخلاق جاهلية وكبر ، فنزلت الآية مؤذنة .