القرطبي
214
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وفي سنن ابن ماجة : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل ابن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب الأنصاري قال قلنا : يا رسول الله ، هذا السلام ، فما الاستئناس ( 1 ) ؟ قال : ( يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت ) . قلت : وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان ، كما قال مجاهد ومن وافقه . الرابعة - وروي عن ابن عباس وبعض الناس يقول عن سعيد بن جبير : " حتى تستأنسوا " خطأ أو وهم من الكاتب ، إنما هو : " حتى تستأذنوا " . وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره ، فإن مصاحف الاسلام كلها قد ثبت فيها " حتى تستأنسوا " ، وصح الاجماع فيها من لدن مدة عثمان ، فهي التي لا يجوز خلافها . وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس ، وقد قال عز وجل : " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ( 2 ) حميد " [ فصلت : 42 ] ، وقال تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( 3 ) " [ الحجر : 9 ] . وقد روي عن ابن عباس أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والمعنى : حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا حكاه أبو حاتم . قال ابن عطية . ومما ينفى هذا القول عن ابن عباس وغيره أن " تستأنسوا " متمكنة في المعنى ، بينة الوجه في كلام العرب . وقد قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أستأنس يا رسول الله ، وعمر واقف على باب الغرفة ، الحديث المشهور . وذلك يقتضى أنه طلب الانس به صلى الله عليه وسلم ، فكيف يخطئ ابن عباس أصحاب الرسول في مثل هذا . قلت : قد ذكرنا من حديث أبي أيوب أن الاستئناس إنما يكون قبل السلام ، وتكون الآية على بابها لا تقديم فيها ولا تأخير ، وأنه إذا دخل سلم . والله أعلم . الخامسة - السنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها . قال ابن وهب قال مالك : الاستئذان ثلاث ، لا أحب أن يزيد أحد عليها ، إلا من علم أنه لم يسمع ، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع . وصورة الاستئذان أن يقول الرجل : السلام عليكم أأدخل ، فإن أذن له دخل ، وإن أمر بالرجوع انصرف ، وإن سكت عنه استأذن
--> ( 1 ) كذا في ط وك . وهو الصواب . وج وأ : فما الاستئذان . ( 2 ) راجع ج 15 ص 366 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 10 ص 5 .