القرطبي

181

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كلي أصولي . ويترجح قول مالك والشافعي رحمهما الله من جهة نظر الفقه الجزئي بأن يقال : الاستثناء راجع إلى الفسق والنهى ( 1 ) عن قبول الشهادة جميعا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له . وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر ، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى ، والله أعلم . قال أبو عبيد : الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة ، قال : وليس من نسب إلى الزنى بأعظم جرما من مرتكب الزنى ، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته ، لان ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) . وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى ، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن ، منها قوله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - [ المائدة : 33 ] إلى قوله - إلا الذين تابوا ( 2 ) " [ المائدة : 34 ] . ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع ، وقال الزجاج : وليس القاذف بأشد جرما من الكافر ، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته . قال : وقوله " أبدا " أي ما دام قاذفا ، كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبدا ، فإن معناه ما دام كافرا . وقال الشعبي للمخالف في هذه المسألة : يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته ! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله : " وأولئك هم الفاسقون " تعليل لا جملة مستقلة بنفسها ، أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم ، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادتهم ؟ . ثم توبة القاذف إكذابه نفسه ، كما قال عمر لقذفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير ، مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار . ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة ، ولقالوا لعمر : لا يجوز قبول توبة القاذف أبدا ، ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب ، فسقط قولهم ، والله المستعان . الخامسة والعشرون - قال القشيري : ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد ، أو لم يرفع إلى السلطان ، أو عفا المقذوف ، فالشهادة مقبولة ، لان عند الخصم في المسألة النهى عن قبول الشهادة معطوف على الجلد ، قال الله تعالى :

--> ( 1 ) عبارة الأصل : " الاستثناء راجع إلى الفسق والتوبة جميعا . . . " والتصويب عن كتب الفقه . ( 2 ) راجع ج 6 ص 147 فما بعد .