القرطبي

173

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الرابعة - للقذف شروط عند العلماء تسعة : شرطان في القاذف ، وهما العقل والبلوغ ، لأنهما أصلا التكليف ، إذ التكليف ساقط دونهما . وشرطان في الشئ المقذوف به ، وهو أن يقذف بوطئ يلزمه فيه الحد ، وهو الزنى واللواط أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي . وخمسة في المقذوف ، وهي العقل والبلوغ والاسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمى بها ، كان عفيفا من غيرها أم لا . وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطنا هما في القاذف وإن لم يكونا من معاني الاحصان لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف ، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ ، إذ لا يوصف اللواط فيهما ولا منهما بأنه زنى . الخامسة - اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان قذفا ورميا موجبا للحد ، فإن عرض ولم يصرح فقال مالك : هو قذف . وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يكون قذفا حتى يقول أردت به القذف . والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف ، فإذا حصلت المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفا كالتصريح ، والمعول على الفهم ، وقد قال تعالى مخبرا عن شعيب : " إنك لأنت الحليم الرشيد " [ هود : 87 ] أي السفيه الضال ، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهر المدح في أحد التأويلات ، حسبما تقدم في هود ( 1 ) . وقال تعالى في أبى جهل : " ذق إنك أنت العزيز الكريم ( 2 ) " [ الدخان : 49 ] . وقال حكاية عن مريم : " يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك ( 3 ) بغيا " [ مريم : 28 ] ، فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى ، وعرضوا لمريم بذلك ، ولذلك قال تعالى : " وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ( 4 ) " [ النساء : 156 ] ، وكفرهم معروف ، والبهتان العظيم هو التعريض لها ، أي ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ، أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد . وقال تعالى : " قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ( 5 ) " [ سبأ : 24 ] ، فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى ، وأن الله تعالى ورسوله على الهدى ، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه . وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال :

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 87 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 151 . ( 3 ) راجع ج 11 ص 99 . ( 4 ) راجع ج 6 ص 7 فما بهد . ( 5 ) راجع ج 14 ص 298 .