القرطبي

172

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه ست وعشرون مسألة : الأولى - هذه الآية نزلت في القاذفين . قال سعيد بن جبير : كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها . وقيل : بل نزلت بسبب القذفة عاما لا في تلك النازلة . وقال ابن المنذر : لم نجد في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا يدل على تصريح القذف ، وظاهر كتاب الله تعالى مستغنى به دالا على القذف الذي يوجب الحد ، وأهل العلم على ذلك مجمعون . الثانية - قوله تعالى : " والذين يرمون " يريد يسبون ، واستعير له اسم الرمي لأنه إذاية بالقول ، كما قال النابغة : * وجرح اللسان كجرح اليد * وقال آخر : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني ( 1 ) ويسمى قذفا ، ومنه الحديث : إن ابن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء ، أي رماها . الثالثة - ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن ( 2 ) أهم ، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس . وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى ، وإجماع الأمة على ذلك . وهذا نحو نصه على تحريم لحم الخنزير ودخل شحمه وغضاريفه ، ونحو ذلك بالمعنى والاجماع . وحكى الزهراوي أن المعنى : والأنفس المحصنات ، فهي بلفظها تعم الرجال والنساء ، ويدل على ذلك قوله : " والمحصنات من النساء ( 3 ) " . [ النساء : 24 ] . وقال قوم : أراد بالمحصنات الفروج ، كما قال تعالى : " والتي أحصنت فرجها ( 4 ) " [ الأنبياء : 91 ] فيدخل فيه فروج الرجال والنساء . وقيل : إنما ذكر المرأة الأجنبية إذا قذفت ليعطف عليها قذف الرجل زوجته ، والله أعلم . وقرأ الجمهور : " المحصنات " بفتح الصاد ، وكسرها يحيى بن وثاب . والمحصنات العفائف في هذا الموضع . وقد مضى في " النساء " ذكر الاحصان ( 3 ) ومراتبه . والحمد لله .

--> ( 1 ) البيت لابن أحمر . والعلوي : البئر . ( 2 ) في الأصول : " من حيث هو أهم " . وعبارة البحر المحيط لأبي حيان أبين ، وهي : " وخص النساء بذلك وإن كان الرجال يشركونهن في الحكم لان القذف فيهن أشنع وأنكر للنفوس ، ومن حيث هن هوى الرجال " الخ . ( 3 ) راجع ج 5 ص 120 . وص 139 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 11 ص 337 فما بعد .