القرطبي
156
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أو مات بحضرة نبي إلا عذب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى ، ثم يمسك عنه العذاب فيكون كالماء حتى ينفخ الثانية . وقيل : استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وفي القبور ورأوه يسيرا بالنسبة إلى ما هم بصدده . ( فاسأل العادين ) أي سل الحساب الذين يعرفون ذلك فإنا قد نسيناه ، أو فاسأل الملائكة الذين كانوا معنا في الدنيا ، الأول قول قتادة ، والثاني قول مجاهد ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : " قل كم لبثتم في الأرض " على الامر . ويحتمل ثلاثة معان : أحدها - قولوا كم لبثتم ، فأخرج الكلام مخرج الامر للواحد والمراد الجماعة ، إذ كان المعنى مفهوما . الثاني - أن يكون أمرا للملك ليسألهم يوم البعث عن قدر مكثهم في الدنيا . أو أراد قل أيها الكافر كم لبثتم ، وهو الثالث . الباقون " قال كم " على الخبر ، أي قال الله تعالى لهم ، أو قالت الملائكة لهم كم لبثتم . وقرأ حمزة والكسائي أيضا : ( قل إن لبثتم إلا قليلا ) الباقون " قال " على الخبر ، على ما ذكر من التأويل الأول ، أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلا ، وذلك أن مكثهم في القبور وإن طال كان متناهيا . وقيل : هو قليل بالنسبة إلى مكثهم في النار ، لأنه لا نهاية له . ( لو أنكم كنتم تعلمون ) ذلك . قوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ( 115 ) قوله تعالى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) أي مهملين كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها ، مثل قوله تعالى : " أيحسب الانسان أن يترك سدى ( 1 ) " [ القيامة : 36 ] يريد كالبهائم مهملا لغير فائدة . قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه ، فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها ، فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا ، ملوك في دار الاسلام ، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق سقاط لئام ، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران . و " عبثا " نصب على الحال عند سيبويه وقطرب . وقال أبو عبيدة : هو نصب على المصدر أو لأنه مفعول له . ( وأنكم إلينا لا ترجعون ) فتجازون بأعمالكم . قرأ حمزة والكسائي " ترجعون " بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع .
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 114 فما بعد .