القرطبي

121

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ثم أنشأنا من بعدهم ) أي من بعد هلاك قوم نوح . ( قرنا آخرين ) قيل : هم قوم عاد . ( فأرسلنا فيهم رسولا منهم ) يعنى هودا ، لأنه ما كانت أمة أنشئت في إثر قوم نوح إلا عاد . وقيل : هم قوم ثمود " فأرسلنا فيهم رسولا " يعنى صالحا . قالوا : والدليل عليه قوله تعالى آخر الآية : " فأخذتهم الصيحة " [ المؤمنون : 41 ] ، نظيرها : " وأخذ الذين ظلموا الصيحة ( 1 ) " [ هود : 67 ] . قلت : وممن أخذ بالصيحة أيضا أصحاب مدين قوم شعيب ، فلا يبعد أن يكونوا هم ، والله أعلم . " منهم " أي من عشيرتهم ، يعرفون مولده ومنشأه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر . قوله تعالى : وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفنهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ( 33 ) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ( 34 ) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما أنكم مخرجون ( 35 ) قوله تعالى : ( وقال الملا ) أي الاشراف والقادة والرؤساء . ( من قومه الذين كفروا وكذبوا ( 2 ) بلقاء الآخرة ) يريد بالبعث والحساب . ( وأترفناهم في الحياة الدنيا ) أي وسعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا وصاروا يؤتون بالترفة ، وهي مثل التحفة . ( ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ) فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم . وزعم الفراء أن معنى : " ويشرب مما تشربون " على حذف من ، أي مما تشربون منه ، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف البتة ، لان " ما " إذا كان مصدرا لم يحتج إلى عائد ، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من . ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) يريد لمغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 59 . ( 2 ) في ب وج‍ وك " كذبوا ب‍ " آياتنا و " لقاه " .