القرطبي
93
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا : احفظوا أنساءكم ، الأنساء جمع نسي وهو الشئ الحقير يغفل فينسى . ومنه قول الكميت رضي الله تعالى عنه : أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة * ولست بنسي في معد ولا دخل وقال الفراء : النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها ، فقول مريم : " نسيا منسيا " أي حيضة ملقاة . وقرئ " نسيا " بفتح النون وهما لغتان مثل الحجر والحجر والوتر والوتر . وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز : " نسئا " بكسر النون . وقرأ نوف البكالي : " نسئا " بفتح النون من نسأ الله تعالى في أجله أي أخره . وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب . وقرأ بكر بن حبيب : " نسا " بتشديد السين وفتح النون دون همز . وقد حكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضا أختها بيحيى ، فجاءتها أختها زائرة فقالت : مريم أشعرت أنت أني حملت ؟ فقالت لها : وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك ، وذلك أنه روي أنها أحست بجنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم ، قال السدي فذلك قوله : " مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين " ( 1 ) [ آل عمران : 39 ] . وذكر أيضا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار ، كان يخدم معها في المسجد وطول في ذلك . قال الكلبي : قيل ليوسف - وكانت سميت له أنها حملت من الزنى - فالآن يقتلها الملك ، فهرب بها ، فهم في الطريق بقتلها ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : إنه من روح القدس ، قال ابن عطية : وهذا كله ضعيف . وهذه القصة تقتضي أنها حملت ، واستمرت حاملا على عرف النساء ( 2 ) ، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر . قاله عكرمة ، ولذلك قيل : لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظا لخاصة عيسى . وقيل : ولدته لتسعة . وقيل : لستة . وما ذكرناه عن ابن عباس أصح وأظهر . والله أعلم . قوله تعالى : ( فنادها من تحتها ) قرئ بفتح الميم وكسرها . قال ابن عباس : المراد ب " - من " جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ، وقاله علقمة والضحاك وقتادة ، ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله [ تعالى ] ( 3 ) فيها مراد عظيم . وقوله :
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 74 . ( 2 ) في ج وك : عرف البشر . ( 3 ) من ك .