القرطبي
87
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في " البقرة " ( 1 ) . [ قوله تعالى ] ( 2 ) : ( وآتيناه الحكم صبيا ) قيل : الاحكام والمعرفة بها . وروى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى : اذهب بنا نلعب ، فقال : ما للعب خلقت . فأنزل الله تعالى " وآتيناه الحكم صبيا " . وقال قتادة : كان ابن سنتين أو ثلاث سنين . وقال مقاتل : كان ابن ثلاث سنين . و " صبيا " نصب على الحال . وقال ابن عباس : من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا . وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا ) . وقال قتادة : إن يحيى عليه السلام لم يعص الله [ تعالى ] ( 3 ) قط بصغيرة ولا كبيرة ولا هم بامرأة . وقال مجاهد : وكان طعام يحيى عليه السلام العشب ، كان للدمع في خديه مجار ثابتة . وقد مضى الكلام في معنى قوله : " وسديدا وحصورا " [ آل عمران : 39 ] في " آل عمران " ( 4 ) . قوله تعالى : ( وحنانا من لدنا ) " حنانا " عطف على " الحكم " . وروي عن ابن عباس أنه قال : والله ما أدري ما " الحنان " ؟ . وقال جمهور المفسرين : الحنان الشفقة والرحمة والمحبة ، وهو فعل من أفعال النفس . النحاس : وفي معنى الحنان عن ابن عباس قولان : أحدهما - قال : تعطف الله عز وجل عليه بالرحمة . والقول الآخر ما أعطيه من رحمه الناس حتى يخلصهم من الكفر والشرك ( 5 ) . وأصله من حنين الناقة على ولدها . ويقال : حنانك وحنانيك ، قيل : هما لغتان بمعنى واحد . وقيل : حنانيك تثنية الحنان . وقال أبو عبيدة : والعرب تقول : حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد ، تريد رحمتك . وقال أمرؤ القيس : ويمنحها بنو شمجى بن جرم * معيزهم حنانك ذا الحنان ( 6 ) وقال طرفة : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقال الزمخشري : " حنانا " رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة ، وأنشد سيبويه : فقالت حنان ما أتى بك هاهنا * أذو نسب أم أنت بالحي عارف
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 437 . ( 2 ) من ج وك . ( 3 ) من ك . ( 4 ) راجع ج 4 ص 86 . ( 5 ) في ج : الشر . ( 6 ) ( حنانك ذا الحنان ) معناه : رحمتك يا رحمن . رواية اللسان : ويمنعها .