القرطبي

85

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

هو مأخوذ من الحرب كأن ( ؟ يلازمه ) يحارب الشيطان والشهوات . وقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب ( بفتح الراء ) كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا . الثانية - هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم في صلاتهم . وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار ، فأجاز ذلك الإمام أحمد [ ابن حنبل ] ( 1 ) وغيره متمسكا بقصة المنبر . ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير ، وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الامام . قلت : وهذا فيه نظر ، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه ( 2 ) ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا - أو - ينهى عن ذلك ! قال : بلى ، قد ذكرت حين مددتني . وروي أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال : حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ، فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه ، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمار من صلاته ، قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم ) أو نحو ذلك ، فقال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي . قلت : فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك ، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا في الصلاة ، وهو النزول والصعود ، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام . وهذا أولى مما أعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكبر ، لان كثيرا من الأئمة يوجد لا كبر عندهم ، ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرا ، والله أعلم . الثالثة - قوله تعالى : " فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " قال الكلبي وقتادة وابن منبه : أوحى إليهم أشار . القتبي : أومأ ( 3 ) . مجاهد : كتب على الأرض . عكرمة : كتب في كتاب . والوحي في كلام العرب الكتابة ، ومنه قول ذي الرمة :

--> ( 1 ) من ج وك . ( 2 ) في ج : جذبه . ( 3 ) في ج وك : أوصى .