القرطبي
7
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( واتخذوا آياتي ) يعني القرآن . ( وما أنذروا ) من الوعيد ( هزوا ) و " ما " بمعنى المصدر أي والانذار وقيل : بمعنى الذي ، أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا ، وقد تقدم في " البقرة " ( 1 ) بيانه . وقيل : هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا هو الزقوم وقيل : هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأولين ، وقالوا للرسول : " هل هذا إلا بشر مثلكم " ( 2 ) [ الأنبياء : 3 ] " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " ( 3 ) [ الزخرف : 31 ] و " ماذا أراد الله بهذا مثلا " ( 4 ) [ المدثر : 31 ] . قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ) أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه ، فتهاون بها وأعرض عن قبولها . ( ونسي ما قدمت يداه ) أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها ، فالنسيان هنا بمعنى الترك قيل : المعنى نسي ما قدم لنفسه وحصل من العذاب ، والمعنى متقارب . ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) بسبب كفرهم ، أي نحن منعنا الايمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم . ( وإن تدعهم إلى الهدى ) أي إلى الايمان ، ( فلن يهتدوا إذا أبدا ) نزل في قوم معينين ، وهو يرد على القدرية قولهم ، وقد تقدم معنى هذه الآية في " سبحان " ( 5 ) [ الاسراء : 1 ] وغيرها . قوله تعالى : ( وربك الغفور ذو الرحمة ) أي للذنوب . وهذا يختص به أهل الايمان دون الكفرة بدليل قوله : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " ( 6 ) [ النساء : 48 ] . " ذو الرحمة " فيه أربع تأويلات : أحدها - ذو العفو . الثاني - ذو الثواب ، وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الايمان دون الكفر . [ الثالث ] ذو النعمة . [ الرابع ] ذو الهدى ، وهو على هذين الوجهين يعم أهل الايمان والكفر ، لأنه ينعم في الدنيا على الكافر ، كإنعامه على المؤمن . وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر . ومعنى قوله : ( لو يؤاخذهم بما كسبوا ) أي من الكفر والمعاصي . ( لعجل لهم العذاب ) ولكنه يمهل . ( بل لهم موعد ) أي أجل مقدر يؤخرون إليه ، نظيره : " لكل نبأ مستقر " ( 7 ) [ الانعام : 67 ] ، " لكل أجل كتاب " ( 8 ) [ الرعد : 38 ]
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 156 فما بعد . ( 2 ) راجع ص 269 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 16 ص 82 . ( 4 ) راجع ج 19 ص 80 . ( 5 ) راجع ج 10 ص 271 . ( 6 ) راجع ج 5 ص 245 . ( 7 ) راجع ج 7 ص 11 . ( 8 ) راجع ج 9 ص 328 .