القرطبي

78

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في موضع نصب ب‍ " - خفت " و " الموالي " هنا الأقارب بنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب . والعرب تسمي بني العم الموالي . قال الشاعر : ( 1 ) مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد . وقالت طائفة : إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين ، فطلب وليا يقوم بالدين بعده ، حكى هذا القول الزجاج ، وعليه فلم يسل من يرث ماله ، لان الأنبياء لا تورث . وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية ، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ) وفي كتاب أبي داود : ( إن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم ) . وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله : " يرثني " . الثانية - هذا الحديث يدخل في التفسير المسند ، لقوله تعالى : " وورث سليمان داود " ( 2 ) وعبارة عن قول زكريا : " فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب " وتخصيص للعموم في ذلك ، وأن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه داود بعده ، وإنما ورث منه الحكمة والعلم ، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب ، هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض ، وإلا ما روى عن الحسن أنه قال : " يرثني " مالا " ويرث من آل يعقوب " النبوة والحكمة ، وكل قول يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور ، قاله أبو عمر . قال ابن عطية : والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال ، ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ) ألا يريد به العموم ، بل على أنه غالب أمرهم ، فتأمله . والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين ، فتكون الوراثة مستعارة . ألا ترى أنه لما طلب وليا ولم يخصص ولدا بلغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه . وقال أبو صالح وغيره : قوله " من آل يعقوب " يريد العلم والنبوة .

--> ( 1 ) هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وهو من شعراء بني هاشم في عهد بني أمية . ( 2 ) راجع ج 13 ص 163 .