القرطبي

79

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - قوله تعالى : " من ورائي " قرأ ابن كثير بالمد والهمز وفتح الياء . وعنه أنه قرأ أيضا مقصورا مفتوح الياء مثل عصاي . الباقون بالهمز والمد وسكون الياء . والقراء على قراءة " خفت " مثل نمت إلا ما ذكرنا عن عثمان . وهي قراءة شاذة بعيدة جدا ، حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز . قال كيف يقول : خفت الموالي من بعدي أي من بعد موتي وهو حي ؟ ! . النحاس : والتأويل لها ألا يعني بقوله : " من ورائي " أي من بعد موتى ، ولكن من ورائي في ذلك الوقت ، وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفوا في ذلك الوقت وقلوا ، وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا " أيهم يكفل مريم " ( 1 ) . ابن عطية " من ورائي " من بعدي في الزمن ، فهو الوراء على ما تقدم في " الكهف " ( 2 ) . الرابعة - قوله تعالى : " وكانت امرأتي عاقرا " امرأته هي إيشاع بنت فاقوذا ابن قبيل ، وهي أخت حنة بنت فاقوذا ، قاله الطبري . وحنة هي أم مريم حسب ما تقدم في " آل عمران " ( 1 ) بيانه . وقال القتبي : امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران ، فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة . وعلى القول الآخر يكون ابن خالة أمه . وفي حديث الاسراء قال عليه الصلاة والسلام : ( فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى ) شاهدا للقول الأول ( 3 ) . والله أعلم . والعاقر التي لا تلد لكبر سنها ، وقد مضى بيانه في " آل عمران " . والعاقر من النساء أيضا التي لا تلد من غير كبر . ومنه قوله تعالى : " ويجعل من يشاء عقيما " ( 4 ) [ الشورى : 50 ] . وكذلك العاقر من الرجال ، ومنه قول عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل محضر الخامسة - قوله تعالى : " فهب لي من لدنك وليا " سؤال ودعاء . ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة . قال قتادة : جرى له هذا الامر وهو ابن بضع وسبعين سنة . مقاتل : خمس وتسعين سنة ، وهو أشبه ، فقد كان غلب على ظنه انه لا يولد له لكبره ، ولذلك قال : " وقد بلغت من الكبر عتيا " . وقالت طائفة : بل طلب الولد ،

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 85 وص 79 . ( 2 ) راجع ص 34 وما بعدها من هذا الجزء . ( 3 ) المراد بالقول الأول هنا قول القتبي . ( 4 ) راجع ج 16 ص 48 .