القرطبي

54

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وأهل جابرس وجابلق آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ( مر بهم ليلة الاسراء فدعاهم فأجابوه ، ودعا الأمم الآخرين فلم يجيبوه ) ، ذكره السهيلي وقال : اختصرت هذا كله من حديث طويل رواه مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه الطبري مسندا إلى مقاتل يرفعه ، والله أعلم . قوله تعالى : ( لم نجعل لهم من دونها سترا ) أي حجابا يستترون منها عند طلوعها . قال قتادة : لم يكن بينهم وبين الشمس ستر ، كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء ، وهم يكونون في أسراب لهم ، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم ، يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها . وقال أمية : وجدت رجالا بسمرقند يحدثون الناس ، فقال بعضهم : خرجت حتى جاوزت الصين ، فقيل لي : إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة ، فاستأجرت رجلا يرينيهم حتى صبحتهم ، فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى وكان صاحبي يحسن كلامهم ، فبتنا بهم ، فقالوا : فيم جئتم ؟ قلنا : جئنا ننظر كيف تطلع الشمس ، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة ، فغشي على ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن ، فلما طلعت الشمس على الماء إذ هي على الماء كهيئة الزيت ، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط ، فلما ارتفعت أدخلوني سربا لهم ، فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك ، فيطرحونه في الشمس فينضج . وقال ابن جريج : جاءهم جيش مرة ، فقال لهم أهلها : لا تطلع الشمس وأنتم بها ، فقالوا : ما نبرح حتى تطلع الشمس . قالوا : ما هذه العظام ؟ قالوا : هذه والله عظام جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا . قال فولوا هاربين في الأرض . وقال الحسن : كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر ، وكانت لا تحمل البناء ، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا ( 1 ) في الماء ، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا ، فيتراعون كما تتراعى البهائم . قلت : وهذه الأقوال تدل على أن لا مدينة هناك . والله أعلم . وربما يكون منهم من يدخل في النهر ومنهم من يدخل في السرب فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة .

--> ( 1 ) في ك : تهربوا .