القرطبي

286

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وهو الذي خلق الليل والنهار ) ذكرهم نعمة أخرى : جعل لهم الليل ليسكنوا فيه ، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم . ( الشمس والقمر ) أي وجعل الشمس آية النهار ، والقمر آية الليل ، لتعلم الشهور والسنون والحساب ، كما تقدم في " سبحان " ( 1 ) بيانه . ( كل ) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار ( في فلك يسبحون ) أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء . قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : " والسابحات ( 2 ) سبحا " ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح . وفيه من النحو أنه لم يقل : يسبحن ولا تسبح ، فمذهب سيبويه : أنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل ، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه قال الفراء . وقد تقدم هذا المعنى في " يوسف " ( 3 ) . وقال الكسائي : إنما قال : " يسبحون " لأنه رأس آية ، كما قال الله تعالى : " نحن جميع منتصر " ( 4 ) [ القمر : 44 ] ولم يقل منتصرون . وقيل : الجري للفلك فنسب إليها . والأصح أن السيارة تجري في الفلك ، وهي سبعة أفلاك دون السماوات المطبقة ، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت ، فالقمر في الفلك الأدنى ، ثم عطارد ، ثم الزهرة ، ثم الشمس ، ثم المريخ ، ثم المشتري ثم زحل ، والثامن فلك البروج ، والتاسع الفلك الأعظم . والفلك واحد أفلاك النجوم . قال أبو عمرو : ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب . وأصل الكلمة من الدوران ، ومنه فلكة المغزل ، لاستدارتها . ومنه قيل : فلك ثدي المرأة تفليكا ، وتفلك استدار . وفي حديث ابن مسعود : تركت فرسي كأنه يدور في فلك . كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم . قال ابن زيد : الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر . قال : وهي بين السماء والأرض . وقال قتادة : الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء . وقال مجاهد : الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها . وقال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة مسيرها . وقيل : الفلك موج مكفوف ومجرى الشمس والقمر فيه ، والله أعلم .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 227 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 19 ص 188 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 122 . ( 4 ) راجع ج 17 ص 145 .