القرطبي
287
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ( 34 ) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ( 35 ) قوله تعالى : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون . وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون : شاعر نتربص به ريب المنون ، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان ، فقال الله تعالى : قد مات الأنبياء من قبلك ، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة ، فهكذا نحفظ دينك وشرعك . ( أفإن مت فهم الخالدون ) أي أفهم ، مثل قول الشاعر : ( 1 ) رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي أهم ! فهو استفهام إنكار . وقال الفراء : جاء بالفاء ليدل على الشرط ، لأنه جواب قولهم سيموت . ويجوز أن يكون جئ بها ، لان التقدير فيها : أفهم الخالدون إن مت ! قال الفراء : ويجوز حذف الفاء وإضمارها ، لان " هم " لا يتبين فيها الاعراب . أي إن مت فهم يموتون أيضا ، فلا شماتة في الإماتة . وقرئ " مت " و " مت " بكسر الميم وضمها لغتان . قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ) تقدم في ( آل عمران ) ( 2 ) ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) " فتنة " مصدر على غير اللفظ . أي نختبركم بالشدة والرخاء والحلال والحرام ، فننظر كيف شكركم وصبركم . ( وإلينا ترجعون ) أي للجزاء بالاعمال . قوله تعالى : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ( 36 )
--> ( 1 ) هو أبو خراش الهذلي ورفاه سكته من الرعب يقول : سكنوني . اعتبر بمشاهدة الوجوه وجعلها دليلا على ما في النفوس . ( 2 ) راجع ج 4 ص 297 فما بعدها .