القرطبي

285

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقوله : " تدمر كل شئ " ( 1 ) [ الأحقاف : 25 ] والصحيح العموم ، لقوله عليه السلام : ( كل شئ خلق من الماء ) والله أعلم . ( أفلا يؤمنون ) أي أفلا يصدقون بما يشاهدون ، وأن ذلك لم يكن بنفسه ، بل لمكون كونه ، ومدبر أوجده ، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا . قوله تعالى : ( وجعلنا في الأرض رواسي ) أي جبالا ثوابت . ( أن تميد بهم ) أي لئلا تميد بهم ، ولا تتحرك ليتم القرار عليها ، قاله الكوفيون . وقال البصريون : المعنى كراهية أن تميد . والميد التحرك والدوران . يقال : ماد رأسه ، أي دار . ومضى في " النحل " ( 2 ) مستوفي . ( وجعلنا فيها فجاجا ) يعني في الرواسي ، عن ابن عباس . والفجاج المسالك . والفج الطريق الواسع بين الجبلين . وقيل : وجعلنا في الأرض فجاجا أي مسالك ، وهو اختيار الطبري ، لقوله : ( لعلهم يهتدون ) أي يهتدون إلى السير في الأرض . ( سبلا ) تفسير الفجاج ، لان الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا يكون . وقيل : ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم . قوله تعالى : ( وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) أي محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض ، دليله قوله تعالى : " ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه " ( 3 ) [ الحج : 65 ] . وقيل : محفوظا بالنجوم من الشياطين ، قاله الفراء . دليله قوله تعالى : " وحفظناها من كل شيطان رجيم " ( 2 ) [ الحجر : 17 ] . وقيل : محفوظا من الهدم والنقض ، وعن أن يبلغه أحد بحيلة . وقيل : محفوظا فلا يحتاج إلى عماد . وقال مجاهد : مرفوعا . وقيل : محفوظا من الشرك والمعاصي . ( وهم ) يعني الكفار ( عن آياتها معرضون ) قال مجاهد : يعني الشمس والقمر . وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها ، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع ، لأنه الفاعل لها . بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السماوات وآياتها ، من ليلها ونهارها ، وشمسها وقمرها ، وأفلاكها ورياحها وسحابها ، وما فيها من قدرة الله تعالى ، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا واحدا فيستحيل أن يكون له شريك .

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 205 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 10 ص 90 وص 10 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 92 فما بعد .