القرطبي
257
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الرابعة - وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة ، فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم ، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وقد قدر الله على ذلك ، والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه ، ولوم المسئ على إساءته ، وتعديد ذنوبه عليه . الخامسة - قوله تعالى : " فغوى " أي ففسد عليه عيشه ، حكاه النقاش وأختاره القشيري . وسمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر القرطبي يقول : " فغوى " ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا ، والغي الفساد ، وهو تأويل حسن وهو أولى من تأويل من يقول : " فغوى " معناه ضل ، من الغي الذي هو ضد الرشد . وقيل : معناه جهل موضع رشده ، أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهى عنها ، والغي الجهل . وعن بعضهم " فغوى " فبشم من كثرة الاكل ، الزمخشري : وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا ، فيقول في فنى وبقى : فنى وبقى وهم بنو طي - تفسير خبيث . السادسة - قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال : عصى آدم وغوى ولا يقال له عاص ولا غاو كما أن من خاط مرة يقال له : خاط ولا يقال له خياط ما لم يتكرر منه الخياطة . وقيل : يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه ، وهذا تكلف ، وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر ، أو ترك الأولى ، أو قبل النبوة . قلت : هذا حسن . قال الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى : كان هذا من آدم قبل النبوة ، ودليل ذلك قوله تعالى : " ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى " فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان ، وإذا كان هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا ، لان قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم ، فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب . وهذا نفيس والله أعلم . قوله تعالى : قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ( 123 ) ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ( 124 )