القرطبي
258
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ( 125 ) قال كذلك أئتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ( 126 ) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ( 127 ) قوله تعالى : ( قال أهبطا منها جميعا ) خطاب آدم وإبليس . " منها " أي من الجنة . وقد قال لإبليس : " أخرج منها مذؤوما مدحورا " [ الأعراف 18 ] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ، ثم أهبط إلى الأرض . ( بعضكم لبعض عدو ) تقدم في ( البقرة ) ( 1 ) أي أنت عدو للحية ولإبليس وهما عدوان لك . وهذا يدل على أن قوله : " اهبطا " ليس خطابا لآدم وحواء ، لأنهما ما كانا متعاديين ، وتضمن هبوط آدم هبوط حواء . ( فأما يأتينكم منى هدى ) أي رشدا وقولا حقا . وقد تقدم في ( البقرة ) ( 1 ) . ( فمن تبع هداي ) يعني الرسل والكتب . ( فلا يضل ولا يشقى ) قال ابن عباس : ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، وتلا الآية . وعنه : من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، ثم تلا الآية . ( ومن أعرض عن ذكرى ) أي ديني ، وتلاوة كتابي ، والعمل بما فيه . وقيل : عما أنزلت من الدلائل . ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول ، لأنه كان منه الذكر . ( فإن له معيشة ضنكا ) أي عيشا ضيقا ، يقال : منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع ، قال عنترة : إن يلحقوا أكرر وإن يستحلموا * أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل وقال أيضا : إن المنية لو تمثل مثلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقرئ : " ضنكى " على وزن فعلى : ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته ، فصاحبه ينفق مما رزقه الله - عز وجل - بسماح وسهولة
--> ( ) راجع ج 1 ص 319 وص 328 فما بعد .