القرطبي
247
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عنه . وعلى هذا أكثر العلماء . وقيل : " لا عوج له " أي لدعائه . وقيل : يتبعون الداعي اتباعا لا عوج له ، فالمصدر مضمر ، والمعنى : يتبعون صوت الداعي للمحشر ، نظيره : " واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب " ( 1 ) [ ق : 41 ] الآية . وسيأتي . ( وخشعت الأصوات ) أي ذلت وسكنت ، عن ابن عباس قال : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع ، فكل لسان ساكت هناك للهيبة . ( للرحمن ) أي من أجله . ( فلا تسمع إلا همسا ) الهمس الصوت الخفي ، قاله مجاهد . عن ابن عباس : الحس الخفي . الحسن وابن جريج : هو صوت وقع الاقدام بعضها على بعض إلى المحشر ، ومنه قول الراجز : * وهن يمشين بنا هميسا * يعني صوت أخفاف الإبل في سيرها . ويقال للأسد الهموس ، لأنه يهمس في الظلمة ، أي يطأ وطئا خفيا . قال رؤبة يصف نفسه بالشدة : ليث يدق الأسد الهموسا * والأقهبين ( 2 ) الفيل والجاموسا وهمس الطعام ، أي مضغه وفوه منضم ، قال الراجز : لقد رأيت عجبا مذ أمسا * عجائزا مثل السعالي خمسا * يأكلن ما أصنع همسا همسا وقيل : الهمس تحريك الشفة واللسان . وقرأ أبي بن كعب : " فلا ينطقون إلا همسا " . والمعنى متقارب ، أي لا يسمع لهم نطق ولا كلام ولا صوت أقدام . وبناء " ه م س " أصله الخفاء كيفما تصرف ، ومنه الحروف المهموسة ، وهي عشرة يجمعها قولك : " حثه شخص فسكت " وإنما سمي الحرف مهموسا لأنه ضعف الاعتماد من موضعه حتى جرى معه النفس . قوله تعالى : ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ) " من " في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأول ، أي لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن . ( ورضى له قولا ) أي رضي قوله في الشفاعة . وقيل : المعنى ، أي إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له ، وكان له قول يرضى . قال ابن عباس : هو قول لا إله إلا الله .
--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 26 . ( 2 ) سمى الفيل والجاموس أقهبين للونهما وهو الغيرة .