القرطبي

147

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( أطلع الغيب ) ألفه ألف استفهام لمجئ " أم " بعدها ومعناه التوبيخ وأصله أاطلع فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل فإن قيل فهلا أتوا بمدة بعد الألف فقالوا أطلع كما قالوا " الله خير " ( 1 ) " آلذكرين حرم " ( 2 ) قيل له كان الأصل في هذا " أالله " " أالذكرين " فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر وذلك أنهم لو قالوا : الله خير بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله : " أطلع " لان ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة وذلك أنك تقول في الاستفهام : أطلع ؟ أفترى ؟ أصطفى ؟ استغفرت ؟ بفتح الألف ، وتقول في الخبر : إطلع ، افترى ، اصطفى ، إستغفرت لهم بالكسر ، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر قوله تعالى : ( كلا ) ليس في النصف ( 3 ) الأول ذكر " كلا " وإنما جاء ذكره في النصف الثاني . وهو يكون بمعنيين : أحدهما بمعنى حقا . والثاني بمعنى لا . فإذا كانت بمعنى حقا جاز الوقف على ما قبله ثم تبتدئ " كلا " أي حقا . وإذا كانت بمعنى لا كان الوقف على " كلا " جائز كما في هذه الآية لان المعنى : لا ليس الامر كذا . ويجوز أن تقف على قوله " عهدا " وتبتدئ " كلا " أي حقا " سنكتب ما يقول " وكذا قوله تعالى : " لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا " ( 4 ) [ المؤمنون : 100 ] يجوز الوقف على " كلا " وعلى " تركت " . وقوله : " ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون ( 5 ) . قال كلا " الوقف على " كلا " لان المعنى لا - وليس الامر كما تظن . " فاذهبا " . فليس للحق في هذا المعنى موضع . وقال الفراء " كلا " بمنزلة سوف لأنها صلة وهي حرف رد فكأنها " نعم " و " لا " في الاكتفاء . قال : وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك : كلا ورب الكعبة ، لا تقف على كلا لأنها بمنزلة إي ورب الكعبة . قال الله تعالى " كلا والقمر " ( 6 ) [ المدثر : 32 ] فالوقف على " كلا " قبيح لأنه صلة لليمين . وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في " كلا " مثل قول الفراء وقال الأخفش معنى

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 219 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 7 ص 113 . ( 3 ) أي من القرآن قال الآلوسي : ( وهذا أول موضع فيه من القرآن وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعا ) . ( 4 ) راجع ج 12 ص 149 فما بعد . ( 5 ) راجع ج 13 ص 91 . ( 6 ) راجع ج 19 ص 82 .