القرطبي
119
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال : فرفعه على جناحه ، ثم طار به ، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء ، ينظر يمينا وشمالا ، فسلم عليه ملك الشمس ، وقال : يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه فقال ملك الموت : سبحان الله ! ولأي معنى رفعته هاهنا ؟ قال : رفعته لأريه الجنة . قال : فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة . قلت : يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة ، فنزلت فإذا هو معك ، فقبض روحه فرفعها إلى الجنة ، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة ، فذلك قوله تعالى : " ورفعناه مكانا عليا " قال وهب بن منبه : كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه ، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له ، فأتاه في صورة آدمي ، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار ، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل . ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس ، وقال له : من أنت ! قال أنا ملك الموت ، استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي ، فقال : إن لي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : أن تقبض روحي . فأوحى ( 1 ) الله تعالى إليه أن اقبض روحه ، فقبضه ورده الله إليه بعد ساعة ، وقال له ملك الموت : ما الفائدة في قبض روحك ؟ قال لأذوق كرب الموت فأكون له أشد استعدادا . ثم قال له إدريس بعد ساعة ( 2 ) : إن لي إليك حاجة أخرى . قال : وما هي ؟ قال أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار ، فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السماوات ، فرأى النار فصعق ، فلما أفاق قال أرني الجنة ، فأدخله الجنة ، ثم قال له ملك الموت : أخرج لتعود إلى مقرك . فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها . فبعث الله تعالى بينهما ملكا حكما ، فقال مالك لا تخرج ؟ قال : لان الله تعالى قال : " كل نفس ذائقة الموت " ( 3 ) [ آل عمران : 185 ] وأنا ذقته ، وقال : " وإن منكم إلا واردها " ( 4 ) [ مريم : 71 ] وقد وردتها ، وقال : " وما هم منها بمخرجين " ( 5 ) [ الحجر : 48 ] فكيف أخرج ؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت : " بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج " فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى " ورفعناه مكانا عليا " قال النحاس : قول إدريس : " وما هم منها بمخرجين " يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس ، ثم نزل القرآن به . قال وهب ابن منبه : فإدريس تارة يرتع في الجنة ، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء .
--> ( 1 ) في ج : فأذن الله له . ( 2 ) في ج وك : بعد حين . ( 3 ) راجع ج 4 ص 297 . ( 4 ) راجع ص 135 من هذا الجزء : إن صح هذا فهو دليل على ورود النظر . ( 5 ) راجع ج 10 ص 33 .