القرطبي
120
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ( 58 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ) يريد إدريس وحده . ( وممن حملنا مع نوح ) يريد إبراهيم وحده ( ومن ذرية إبراهيم ) يريد إسماعيل وإسحق ويعقوب . ( و ) من ذرية ( إسرائيل ) موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى . فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم . ( وممن هدينا ) أي إلى الاسلام : ( واجتبينا ) بالايمان . ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ) . وقرأ شبل بن عباد المكي " يتلى " بالتذكير لان التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل . ( خروا سجدا وبكيا ) وصفهم بالخشوع لله والبكاء . وقد مضى في " سبحان " ( 1 ) [ الاسراء : 1 ] . يقال بكى يبكي بكاء وبكى وبكيا ، إلا أن الخليل قال : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن ، أي ليس معه صوت كما قال الشاعر : ( 2 ) بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل " وسجدا " نصب على الحال " وبكيا " عطف عليه . الثانية - في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب . قال الحسن : ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) الصلاة . وقال الأصم : المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه ، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ، ويبكون عند ذكرها . والمروى عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة ، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 341 فما بعد . ( 2 ) هو عبد الله بن رواحة يبكى حمزة بن عبد المطلب رحمه الله وأنشده أبو زيد لكعب بن مالك في أبيات .