القرطبي

118

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الرابعة ، كذلك رواه ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره مسلم في الصحيح . وروى مالك بن صعصعة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة ) . خرجه مسلم أيضا . وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما : أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس ، فقال : ( يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد ! اللهم خفف عنه من ثقلها . يعني الملك الموكل بفلك الشمس ) ، يقول إدريس : اللهم خفف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها . فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل مالا يعرف فقال : يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه ؟ فقال الله تعالى : " أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته " فقال : يا رب أجمع بيني وبينه ، واجعل بيني وبينه خلة . فأذن الله له حتى أتى إدريس ، وكان إدريس عليه السلام يسأله . فقال أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت ، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي ، فأزداد شكرا وعبادة . فقال الملك : لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فقال للملك : قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي قال نعم . ثم حمله ( 1 ) على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ، ثم قال لملك الموت : لي صديق من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله . فقال : ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت علمه أعلمته متى يموت . قال " : " نعم " ثم نظر في ديوانه ، فقال : إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبدا . قال " وكيف " ؟ قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس . قال : فإني أتيتك وتركته هناك ، قال : انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شئ . فرجع الملك فوجده ميتا . وقال السدي : إنه نام ذات يوم ، واشتد عليه حر الشمس ، فقام وهو منها في كرب فقال : اللهم خفف عن ملك الشمس حرها ، وأعنه على ثقلها ، فإنه يمارس نارا حامية . فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور عنده سبعون ألف ملك عن يمينه ، ومثلها عن يساره يخدمونه ، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه ، فقال ملك الشمس : يا رب من أين لي هذا ؟ . قال " دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس " ثم ذكر نحو حديث كعب . قال فقال له ملك الشمس : أتريد حاجة ؟ قال : نعم وددت أني لو رأيت الجنة .

--> ( 1 ) في ج : حمله ملك الشمس .