القرطبي
113
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة ، لحديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة ) الحديث ، ذكره الترمذي الحكيم ، وقد مضى في الفاتحة ( 1 ) بسنده . وقد مضى الكلام في معنى قوله : " سأستغفر لك ربي " . وارتفع السلام بالابتداء ، وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة . قوله تعالى : ( إنه كان بي حفيا ) : الحفي المبالغ في البر والالطاف ، يقال : حفي به وتحفى إذا بره . وقال الكسائي يقال : حفي بي حفاوة وحفوة . وقال الفراء : " إنه كان بي حفيا " أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته . قوله تعالى : ( واعتزلكم ) : العزلة المفارقة وقد تقدم في " الكهف " ( 2 ) بيانها . وقوله : ( عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) قيل : أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه . ولهذا قال : ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب ) أي آنسنا وحشته بولد ، عن ابن عباس وغيره . وقيل : " عيسى " يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل . وقيل : دعا لأبيه بالهداية . ف " عسى " شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا ؟ والأول أظهر . وقوله : ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) أي أثنينا عليهم ثناء حسنا ، لان جميع الملل تحسن الثناء عليهم . واللسان يذكر ويؤنث ، وقد تقدم ( 3 ) . قوله تعالى : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا ( 51 ) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ( 52 ) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ( 53 )
--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 130 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 367 . ( 3 ) راجع ج 1 ص 121 .