القرطبي
73
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في الثالثة - في هذه الآية دليل على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها . ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل مع الرفق في السير . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بها والإراحة لها ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها . وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها ( 1 ) " رواه مالك في الموطأ عن أبي عبيد عن خالد بن معدان . وروى معاوية بن قرة قال كان لأبي الدرداء جمل يقال له دمون ، فكان يقول : يا دمون ، لا تخاصمني عند ربك . فالدواب عجم لا تقدر أن تحتال لنفسها ما تحتاج إليه ، ولا تقدر أن تفصح بحوائجها ، فمن ارتفق بمرافقها ثم ضيعها من حوائجها فقد ضيع الشكر وتعرض للخصومة بين يدي الله تعالى . وروى مطر بن محمد قال : حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن خالد قال حدثنا المسيب بن آدم قال . رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب جمالا وقال : تحمل على بعيرك ما لا يطيق ؟ . قوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها ورزينة ويخلق ما لا تعلمون ( 8 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : " والخيل " بالنصب معطوف ، أي وخلق الخيل . وقرأ ابن أبي عبلة " والخيل والبغال والحمير " بالرفع فيها كلها . وسميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية . وواحد الخيل خائل ، كضائن واحد ضين . وقيل لا واحد له . وقد تقدم هذا في آل عمران ( 2 ) ، وذكرنا الأحاديث هناك . ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر
--> ( 1 ) قوله " في السنة " أي في القحط وانعدام نبات الأرض في يبسها . والنقى ( بكسر النون وسكون القاف ) هو المخ . ومعناه : أسرعوا في السير بالإبل لتصلوا إلى المقصد وفيها بقية من قوتها ، إذ ليس في الأرض ما يقويها على السير . ( 2 ) راجع ج 4 ص 32 .