القرطبي

74

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

دل على أنها لم تدخل تحت لفظ الانعام . وقيل : دخلت ولكن أردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب ، فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير . الثانية - قال العلماء : ملكنا الله تعالى الانعام والدواب وذللها لنا ، وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى لنا ، وما ملكه الانسان وجاز له تسخيره من الحيوان فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم ، لا اختلاف بينهم في ذلك . وحكم كراء الرواحل والدواب مذكور في كتب الفقه . الثالثة - لا خلاف بين العلماء في اكتراء الدواب والرواحل عليها والسفر بها ، لقوله تعالى : " وتحمل أثقالكم " الآية . وأجازوا أن يكرى الرجل الدابة والراحلة إلى مدينة بعينها وإن لم يسم أين ينزل منها ، وكم من منهل ( 1 ) ينزل فيه ، وكيف صفة سيره ، وكم ينزل في طريقة ، واجتروا بالمتعارف بين الناس في ذلك . قال علماؤنا : والكراء يجرى مجرى البيوع فيما يحل منه ويحرم . قال ابن القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مروى ولم يصف رقعته وذرعه : لم يجز ، لان مالكا لم يجيز هذا في البيع ، ولا يجيز في ثمن الكراء إلا ما يجوز في ثمن البيع . قلت : ولا يختلف في هذا إن شاء الله ، لان ذلك إجارة . قال ابن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح فحمل عليها ما اشترط فتلفت أن لا شئ عليه . وهكذا إن حمل عليها عشرة أقفزة شعير . واختلفوا فيمن اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فحمل عليها أحد عشر قفيزا ، فكان الشافعي وأبو ثور يقولان : هو ضامن لقيمة الدابة وعليه الكراء . وقال ابن أبي ليلى : عليه قيمتها ولا أجر عليه . وفيه قول ثالث - وهو أن عليه الكراء وعليه جزء من أجر وجزء من قيمة الدابة بقدر ما زاد من الحمل ، وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد . وقال ابن القاسم صاحب مالك : لا ضمان عليه في قول مالك إذا كان القفيز الزائد لا يفدح الدابة ، ويعلم أن مثله

--> ( 1 ) المنهل : المشرب ، ثم كثر ذلك حتى سميت منازل السفارة على المياه مناهل .