القرطبي

57

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وإنما شرع الله سبحانه حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة على الآدمي ، يأخذ من الآدمية بشهواتها ويرجع إلى الله بقلب سليم . ورأى الفراء والمخلصون من الفضلاء الانكفاف عن اللذات والخلوص لرب الأرض والسماوات اليوم أولى ، لما غلب على الدنيا من الحرام ، واضطر العبد في المعاش إلى مخالطة من لا تجوز مخالطته ومصانعة من تحرم مصانعته ، فكانت القراءة أفضل ، والفرار عن الدنيا أصوب للعبد وأعدل ، قال صلى الله عليه وسلم : ( " أتى على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف ( 1 ) الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " . قوله تعالى : ( ولا تحزن عليهم ) أي ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا . وقيل : المعنى لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا فلك في الآخرة أفضل منه . وقيل : لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل العذاب . ( واخفض جناحك للمؤمنين ) أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم . وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ ، فجعل ذلك وصفا لتقريب الانسان أتباعه . ويقال : فلان خافض الجناح ، أي وقور ساكن . والجناحان من ابن آدم جانباه ، ومنه " واضمم يدك إلى جناحك ( 2 ) " وجناح الطائر يده . وقال الشاعر : وحسبك فتية لزعيم قوم * يمد على أخي سقم جناحا أي تواضعا ولينا . قوله تعالى : وقل إني أنا النذير المبين ( 89 ) كما أنزلنا على المقتسمين ( 90 ) في الكلام حذف ، أي إني أنا النذير المبين عذابا ، فحذف المفعول ، إذ كان الانذار يدل عليه ، كما قال في موضع آخر : " أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ( 3 ) وثمود " . قيل : الكاف زائدة ، أي أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين ، كقوله : " ليس كمثله شئ ( 4 ) " أنذرتكم

--> ( 1 ) أي رؤوسها . ( 2 ) راجع ج 11 ص 190 . ( 3 ) راجع ج 15 ص 346 . ( 4 ) راجع ج 16 ص 7 .