القرطبي
58
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مثل ما أنزلنا بالمقتسمين . وقيل : المعنى كما أنزلنا على المقتسمين ، أي من العذاب وكفيناك المستهزئين ، فاصدع بما تؤمر وأعرض عن وقيل المشركين الذين بغوا ، فإنا كفيناك أولئك الرؤساء الذين كنت تلقى منهم ما تلقى . واختلف في " المقتسمين " على أقوال سبعة : الأول - قال مقاتل والفراء : هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا أعقاب ( 1 ) مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها : لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعى النبوة ، فإنه مجنون ، وربما قالوا ساحر ، وربما قالوا شاعر ، وربما قالوا كاهن . وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق ، فأماتهم الله شر ميتة ، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد ، فإذا سألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صدق أولئك . الثاني - قال قتادة : هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعرا ، وبعضه سحرا ، وبعضه كهانة ، وبعضه أساطير الأولين . الثالث - قال ابن عباس : هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . وكذلك قال عكرمة : هم أهل الكتاب ، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين ، فيقول بعضهم : هذه السورة لي وهذه السورة لك . وهو القول الرابع . الخامس - قال قتادة : قسموا كتابهم ففرقوه وبددوه وحرفوه . السادس - قال زيد بن أسلم : المراد قوم صالح ، تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين ، كما قال تعالى : " تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ( 2 ) " . السابع - قال الأخفش : هم قوم اقتسموا أيمانا تحالفوا عليها . وقيل : إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج ، ذكره الماوردي . قوله تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين ( 91 ) هذه صفة المقتسمين . وقيل : هو مبتدأ وخبره " لنسألنهم " . وواحد العضين عضة ، من عضيت الشئ تعضية أي فرقته ، وكل فرقة عضة . وقال بعضهم : كانت في الأصل
--> ( 1 ) الأعقاب ما بعد مكة من الطرق يفد منها الناس ، والأنقاب : منافذ الجبال ، والفجاج : الطرق الواسعة . ( 2 ) راجع ج 13 ص 216 .