القرطبي

393

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" من ربكم " . ومعنى الآية : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس ! من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان ، وبيده الهدى والضلال ، يهدى من يشاء فيؤمن ، ويضل من يشاء فيكفر ، ليس إلى من ذلك شئ ، فالله يؤتى الحق من يشاء وإن كان ضعيفا ، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا ، ولست بطارد المؤمنين لهواكم ، فإن شئتم فآمنوا ، وإن شئتم فاكفروا . وليس هذا بترخيص وتخيير بين الايمان والكفر ، وإنما هو وعيد وتهديد . أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار ، وإن آمنتم فلكم الجنة . قوله تعالى : ( إنا اعتدنا ) أي أعددنا . ( للظالمين ) أي للكافرين الجاحدين . ( نارا أحاط بهم سرادقها ) قال الجوهري : السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار . وكل بيت من كرسف ( 1 ) فهو سرادق . قال رؤبة ( 2 ) : يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق المجد عليك ممدود يقال : بيت مسردق . وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز ( 3 ) وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة : هو المدخل النعمان بيتا سماؤه * صدور الفيول بعد بيت مسردق وقال ابن الأعرابي : " سرادقها " سورها . وعن ابن عباس : حائط من نار . الكلبي : عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة . القتبي : السرادق الحجزة التي تكون حول الفسطاط . وقال ابن عزيز . وقيل : هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة ، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة " والمرسلات " . حيث يقول : " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ( 4 ) " وقوله : " وظل من يحموم ( 5 ) " قاله قتادة . وقيل : إنه البحر المحيط بالدنيا . وروى يعلى بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البحر هو جهنم - ثم تلا - نارا أحاط بهم سرادقها " -

--> ( 1 ) الكرفس : القطن . ( 2 ) كذا في الأصل واللسان ، واستدرك عليه صاحب اللسان بأنه الكذب الحرمازي ، وتابعه على هذا سيبويه والأعلم الشنتمري . مدح الراجز أحد بنى المنذر بن الجارود العبدي ، وحكم هذا أحد ولاة البصرة لهشام بن عبد الملك . وسمى جده الجارود لأنه أعار على قوم فاكتسح أموالهم : فشبه بالسيل الذي يجرد ما مر به . ( 3 ) بفتح الواو وكسرها ، ملك من ملوك الفرس . ( 4 ) راجع ج 19 ص 160 . ( 5 ) راجع ج 17 ص 212 .