القرطبي

366

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا . والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام ، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد . الثانية - قال ابن عطية : تعلقت الصوفية في القيام والقول بقول " إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض " . قلت : وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته ، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم ، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء . أين هذا من ضرب الأرض بالاقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء . ثم هذا حرام عند جماعة العلماء ، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ( 1 ) . وقد تقدم في " سبحان " عند قوله : " ولا تمش في الأرض مرحا ( 2 ) " ما فيه كفاية . وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن مذهب الصوفية فقال : وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعباد العجل ، على ما يأتي . قوله تعالى : هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ( 15 ) قوله تعالى : ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ) أي قال بعضهم لبعض : هؤلاء قومنا أي أهل عصرنا وبلدنا ، عبدوا الأصنام تقليدا من غير حجة . ( لولا ) أي هلا . ( يأتون عليهم بسلطان بين ) أي بحجة على عبادتهم الصنم . وقيل : " عليهم " راجع إلى الآلهة ، أي هلا أقاموا بينة على الأصنام في كونها آلهة ، فقولهم " لولا " تحضيض بمعنى التعجيز ، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن يلتفت إلى دعواهم .

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 69 فما بعد . ( 2 ) راجع ص 260 من هذا الجزء .