القرطبي

367

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم كم رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا ( 16 ) قوله تعالى : ( وإذ اعتزلتموهم ) قيل : هو من قول الله لهم . أي وإذ اعتزلتموهم فاءوا إلى الكهف . وقيل : هو من قول رئيسهم يمليخا ، فيما ذكر ابن عطية . وقال الغزنوي : رئيسهم مكسلمينا ، قال لهم ذلك ، أي إذ اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون . ثم استثنى وقال ( إلا الله ) أي إنكم لم تتركوا عبادته ، فهو استثناء منقطع . قال ابن عطية : وهذا على تقدير إن الذين فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله ، ولا علم لهم به ، وإنما يعتقدون الأصنام في ألوهيتهم فقط . وإن فرضنا أنهم يعرفون الله كما كانت العرب تفعل لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء متصل ، لان الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله . وفى مصحف عبد الله بن مسعود " وما يعبدون من دون الله " . قال قتادة هذا تفسيرها . قلت : ويدل على هذا ما ذكره أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخراساني في قوله تعالى : " وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله " قال : كان فتية من قوم يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله . ابن عطية : فعلى ما قال قتادة تكون " إلا " بمنزلة غير ، و " ما " من قوله " وما يعبدون إلا الله " في موضع نصب ، عطفا على الضمير في قول " اعتزلتموهم " . ومضمن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض : إذا فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله ، فإنه سيبسط لنا رحمته ، وينشرها علينا ، ويهيئ لنا من أمرنا مرفقا . وهذا كله دعاء بحسب الدنيا ، وعلى ثقة كانوا من الله في أمر آخرتهم . وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه : كان أصحاب الكهف صياقلة ( 1 ) ، واسم الكهف حيوم . ( مرفقا ) قرئ بكسر الميم وفتحها ، وهو ما يرتفق به وكذلك مرفق الانسان ومرفقه ، ومنهم من يجعل " المرفق " بفتح الميم [ وكسر الفاء من الامر ، والمرفق من الانسان ، وقد قيل : المرفق بفتح الميم ( 2 ) ] الموضع كالمسجد وهما لغتان .

--> ( 1 ) صياقلة : شحاذو السيوف . ( 2 ) من ج . . .