القرطبي
269
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ( 45 ) عن أسماء بنت أبي بكر رضى الله تعالى عنهما قالت : لما نزلت سورة " تبت يدا أبى لهب ( 1 ) " أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفى يدها فهر ( 2 ) وهي تقول مذمما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قلينا ( 3 ) * والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه ، فلما رآها أبو بكر قال : يا رسول الله ، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها لن تراني " وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال . وقرأ " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " . فوقفت على أبى بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا أبا بكر ، أخبرت أن صاحبك هجاني ! فقال : لا ورب هذا البيت ما هجاك . قال : فولت وهي تقول : قد علمت قريش أنى ابنة سيدها . وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : لما نزلت " تبت يدا أبى لهب وتب " جاءت امرأة أبى لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه ، فقال أبو بكر : لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك ، فإنها امرأة بذية . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه سيحال بيني وبينها " فلم تره . فقالت لأبي بكر : يا أبا بكر ، هجانا صاحبك ! فقال : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله . فقالت : وإنك لمصدقه ، فاندفعت راجعة . فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، أما رأتك ؟ قال : " لا . ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت " . وقال كعب رضي الله عنه في هذه الآية : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات : الآية التي في الكهف " إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا ( 4 ) " ، والآية في النحل "