القرطبي

270

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم " ( 1 ) ، والآية التي في الجاثية ( 2 ) " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ( 3 ) " الآية . فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأهن يستتر من المشركين . قال كعب رضى الله تعالى عنه : فحدثت بهن رجلا من أهل الشام ، فأتى أرض الروم فأقام بها زمانا ، ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه . قال الثعلبي ( 4 ) : وهذا الذي يروونه عن كعب حدثت به رجلا من أهل الري فأسر بالديلم ، فمكث زمانا ثم خرج هاربا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن حتى جعلت ثيابهن لتلمس ثيابه فما يبصرونه . قلت : ويزاد إلى هذه الآية أول سورة يس إلى قوله " فهم لا يبصرون ( 5 ) " . فإن في السيرة في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقام علي رضي الله عنه في فراشه قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من تراب في يده ، وأخذ الله عز وجل على أبصارهم عنه فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس : " يس . والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين . على صراط مستقيم . تنزيل العزيز الرحيم . - إلى قوله - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " . حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات ، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب . قلت : ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور ( 6 ) من أعمال قرطبة مثل هذا . وذلك أنى هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه ، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شئ ، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن ، فعبرا على ثم رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر : هذا ديبله ( 7 ) ، يعنون شيطانا . وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني ، والحمد لله حمدا كثيرا على ذلك . وقيل : الحجاب

--> ( 1 ) راجع ص 191 من هذا الجزء . ( 2 ) في أو ج وى : الشريعة . وهي من أسماء الجاثية . ( 3 ) راجع ج 16 ص 166 فما بعد . ( 4 ) في أوج‍ وى : " الكلبي " . ( 5 ) راجع ج 15 ص 9 . ( 6 ) كذا في الأصول . ( 7 ) لفظة فرانسيية ، معناها : جنى . ولعله كذلك في لغة اللاتين .