القرطبي
26
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لقول الشافعي أن لفظ الاستثناء يستعمل في الجنس وغير الجنس ، قال الله تعالى : " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما . إلا قيلا سلاما ( 1 ) سلاما " فاستثنى السلام من جملة اللغو . ومثله " فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس " وإبليس من جملة الملائكة ، قال الله تعالى : " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ( 2 ) ربه " . وقال الشاعر : وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى اليعافير وهي ذكور الظباء ، والعيس وهي الجمال البيض من الأنيس ، ومثله قول النابغة ( 3 ) : حلفت يمينا غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بصاحب قوله تعالى : قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ( 32 ) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصل من حما مسنون ( 33 ) قال فأخرج منها فإنك رجيم ( 34 ) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ( 35 ) قوله تعالى : ( قال يا إبليس مالك ) أي ما المانع لك . ( ألا تكون مع الساجدين ) أي في ألا تكون . ( قال لم أكن لأسجد لبسر خلقته من صلصال من حما مسموم ) بين تكبره وحسده ، وأنه خير منه ، إذ هو من نار والنار تأكل الطين ، كما تقدم في " الأعراف ( 4 ) " بيانه . ( قال فأخرج منها ) أي من السماوات ، أو من جنة عدن ، أو من جملة الملائكة . ( فإنك رجيم ) أي مرجوم بالشهب . وقيل : ملعون مشئوم . وقد تقدم هذا كله مستوفى في البقرة والأعراف . ( وإن عليك اللعنة ) أي لعنتي ، كما في سورة " ص ( 5 ) " .
--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 206 . ( 2 ) راجع ص 419 من هذا الجزء . ( 3 ) لم يذكر المؤلف رحمة الله عليه قول النابغة ، أو لعله سقط من الناسخ . وكأنه يشير إلى قوله : حلقت يمينا غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بصاحب وهذا البيت أورده سيبويه في كتابه شاهدا على نصب ما بعد إلا على الاستثناء المنقطع ، لان حسن الظن ليس من العلم . والمثنوية : الاستثناء في اليمين . والمعنى : حلفت غير مستثن في يميني حسن ظن منى بثا حبى قام عندي مقام العلم الذي بوجب اليمين . ( راجع كتاب سيبويه ) . ( 4 ) راجع ج 7 ص 170 ( 5 ) راجع ج 15 ص 228