القرطبي
160
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من مكة مهاجرا هاربا من قومه فارا بدينه مع صاحبه أبى بكر حتى لحقا بغار في جبل ثور ، فمكنا ( 1 ) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف ( 2 ) لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فيسمع أمرا يكادان ( 3 ) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة ( 4 ) من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل ، وهو لبن منحتهما ورضيفهما ( 5 ) حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . . . وذكر الحديث . انفراد بإخراجه البخاري . الثالثة - قوله تعالى : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) يعنى القمص ، واحدها سربال . ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) يعنى الدروع التي تقى الناس في الحرب ، ومنه قول كعب بن زهير : شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل الرابعة - إن قال قائل : كيف قال " وجعل لكم من الجبال أكنانا " ولم يذكر السهل ، وقال : " تقيكم الحر " ولم يذكر البرد ؟ فالجواب أنهم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل ، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره ، ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج - كما تقدم - فإنه لم يكن ببلادهم ( 6 ) ، قال معناه عطاء الخراساني وغيره . وأيضا : فذكر أحدهما يدال على الآخر ، ومنه قول الشاعر : وما أدرى إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني * الخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني الخامسة - قال العلماء : في قوله تعالى : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء ، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة
--> ( 1 ) في ج وو : مكثأ . ( 2 ) أي حاذق سريع الفهم ، لقن حسن التلقن لما يسمعه . ( 3 ) من الكيد ، أي يطلب بهما ما فيه المكروه . ( 4 ) أي شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشى . ( 5 ) الرضيف : اللبن المرضوف ، وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب وخمه . وينعق : يصيح . ( 6 ) يقول محققة : ذكر الله لهم تلك النعم وهي دالة على ما يقابلها على سبيل الاكتفاء . والقطن مشهور باليمن ومنه الثياب السحولية وكذا صحار ومنه كفن عليه السلام في ثوبين صحاريين . وكذا الثلج في جبال ببلاد العرب .