القرطبي
157
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته . وحكى أذلك قول مالك . وذكر أبو الفرج أن مالكا قال : من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شئ عليه . قال إسماعيل : إلا أن يكون لمجوسي . وروى ابن وهب ، وابن عبد الحكم عن مالك جواز بيعه ، وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده ، لان الزكاة لا تعمل فيه ، فالدباغ أولى . قال أبو عمر : وكل جلد ذكى فجائز استعماله للوضوء وغيره . وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله ، ومرة قال : إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه ، وتكره الصلاة عليه وبيعه ، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه . وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما إهاب دبغ فقد طهر " . وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث ، . وهو اختيار ابن وهب . السابعة - ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شئ وإن دبغت ، لأنها كلحم الميتة . والاخبار بالانتفاع بعد الدباغ ترد قوله . واحتج بحديث عبد الله بن عكيم - رواه أبو داود - قال : قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب : " ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " . وفى رواية : " قبل موته بشهر ( 1 ) " . رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم ، قال : حدثنا مشيخة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم . . قال داود بن علي : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث ، فضعفه وقال : ليس بشئ ، إنما يقول حدثني الأشياخ ، قال أبو عمر : ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن ابن عباس وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم ، لأنه جائز أن يكون معنى حديث ابن عكيم " ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب " قبل الدباغ ، وإذا احتمل ألا يكون مخالف أفليس لنا أن نجعله مخالفا ، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن ، وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في الخبر فيمكن أن تكون قصة ميمونة وسماع ابن عباس منه " أيما إهاب دبغ فقد طهر " قبل موته بجمعة أو دون جمعة ، والله أعلم .
--> ( 1 ) لفظة " بشهر " ساقطة من سنن أبي داود .