القرطبي
158
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثامنة - المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم ، وكذلك الكلب عند الشافعي . وعند الأوزاعي وأبى ثور : لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه . وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه . قال ابن وضاح : وسمعت سحنونا يقول لا بأس به ، وكذلك قال محمد بن عبد الحكم وداود بن علي وأصحابه ، لقوله عليه السلام : " أيما مسك ( 1 ) دبغ فقد طهر " . قال أبو عمر : يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها ، فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع بجلده ، إذ لا تعمل فيه الذكاة . ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن شميل : إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل ، وما عداه فإنما يقال له : جلد لا إهاب . قلت : وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضا غير معهود الانتفاع به فلا يطهر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " فليست الذكاة فيها ذكاة ، كما أنها ليست في الخنزير ذكاة . وروى النسائي عن المقدام بن معد يكرب قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور ( 2 ) . التاسعة - اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة ما هو ؟ فقال أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه : كل شئ دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به . وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول داود . وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما - هذا ، والآخر أنه لا يطهر إلا الشب والقرظ ، لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى اله عليه وسلم ، وعليه خرج الخطابي - والله أعلم - ما رواه النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحصان ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أخذتم إهابها " قالوا . إنها ميتة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يطهرها الماء والقرظ " .
--> ( 1 ) المسك ( بالفتح وسكون السين ) : الجلد . وخص بعضهم به جلد السخلة ، ثم كثر صار كل جلد مسكا ، والجمع مسك ومسوك . ( 2 ) أي عن أن تقرش جلودها على السرج والرحال للجلوس عليها لما فيه من التكبر أو لأنه زي العجم ، أو لان الشعر نجس لا يقبل الدباغ . ( عن شرح سنن النسائي ) . المياثر : جلود محشوة تجعل على الرحل .