القرطبي
156
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال تعالى : " وانظر إلى العظام كيف ننشزها ( 1 ) " ، وقال : " فكسونا العظام لحما ( 2 ) " ، وقال : " أئذا كنا عظاما نخرة ( 3 ) " فالأصل هي العظام ، والروح والحياة فيها كما في اللحم والجلد . وفى حديث عبد الله بن عكيم : " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " . فإن قيل : قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى اله عليه وسلم قال في شاة ميمونة : " ألا انتفعتم بجلدها " ؟ فقالوا : يا رسول الله ، إنها ميتة . فقال : " إنما حرم أكلها " والعظم لا يؤكل . قلنا : العظم يؤكل ، وخاصة عظم الحمل ( 4 ) الرضيع والجدي والطير ، وعظم الكبير يشوى ويؤكل . وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة فيه ، وما كان طاهرا بالحياة ويستباح بالذكاة ينجس بالموت . والله أعلم . الرابعة - قوله تعالى - ( من جلود الانعام ) عام في جلد الحي والميت ، فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ ، وبه قال ابن شهاب الزهري والليث بن سعد . قال الطحاوي : لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث . قال أبو عمر : يعنى من الفقهاء أئمة الفتوى بالامصار بعد التابعين ، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح ، وهو قول أباه جمهور أهل العلم . وقد روى عنهما خلاف هذا القول ، والأول أشهر . قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن الزهري ، وحديث بقية عن الزبيدي ، وحديث محمد بن كثير العبدي وأبى سلمة المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري ، وقال في آخرها : هذه أسانيد صحاح . السادسة ( 6 ) - اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا ، فذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك . وذكره ابن خويز منداد في كتابه عن ابن عبد الحكم أيضا . قال ابن خويز منداد : وهو قول الزهري والليث . قال : والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ابن عبد الحكم ، وهو أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة ، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة ، ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه . وفى المدونة لابن القاسم :
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 288 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 108 . ( 3 ) راجع ج 91 ص 188 . ( 4 ) في أ ، ج ، ح ، و : الجمل . ( 5 ) اضطربت الأصول في عد هذه المسائل .