القرطبي
149
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على موله أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ( 76 ) قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ) هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن ، فالأبكم الذي لا يقدر على شئ هو الوثن ، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى ، قاله قتادة وغيره . وقال ابن عباس : الأبكم عبد كان لعثمان رضي الله عنه ، وكان يعرض عليه الاسلام فيأبى ، ويأمر بالعدل عثمان . وعنه أيضا أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر . وقيل : الأبكم أبو جهل ، والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر العنسي ، وعنس ( بالنون ) حي من مذحج ، وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبى جهل ، وكان أبو جهل يعذبه على الاسلام ويعذب أمه سمية ، وكانت مولاة لأبي جهل ، وقال لها ذات يوم : إنما آمنت بمحمد لأنك تحبينه لجماله ، ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت ، فهي أول شهيد مات في الاسلام ، رحمها الله . من كتاب النقاش وغيره . وسيأتي هذا في آية الاكراه مبينا ( 1 ) إن شاء الله تعالى . وقال عطاء : الأبكم أبي بن خلف ، كان لا ينطق بخير . ( وهو كل على مولاه ) أي قومه لأنه كان يؤذيهم ويؤذى عثمان بن مظعون . وقال مقاتل : نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث ، كان كافرا قليل الخير يعادي النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : إن الأبكم الكافر ، والذي يأمر بالعدل المؤمن جملة بجملة ، روى عن ابن عباس وهو حسن لأنه يعم . والأبكم الذي لا نطق له . وقيل الذي لا يعقل . وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر . وفى التفسير إن الأبكم ها هنا الوثن . بين أنه لا قدرة له ولا أمر ، وأن غيره ينقله وينحته فهو كل عليه . والله الآمر بالعدل ، الغالب على كل شئ . وقيل : " وهو كل على مولاه " أي ثقل على وليه وقرابته ، ووبال على صاحبه وابن عمه . وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ، ومنه قول الشاعر : أكول لمال الكل قبل شبابه * إذا كان عظم الكل غير شديد
--> ( 1 ) راجع ص 180 وما بعدها من هذ الجزء .